الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

114

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

وعن أداء الصلاة في وقتها جماعة . روى سالم عن ابن عمر رضي اللّه عنهم أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس ، أغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد . فقال ابن عمر : نزلت هذه الآية في شأنهم . وروي عن أبي أمامة أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة كان أجره كأجر الحاج المحرم ، ومن خرج إلى المسجد إلى تسبيح الضحى لا يقصد إلا ذلك كان أجره كأجر المعتمر » « 1 » . وروى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند اللّه نزل يعد له في الجنة » « 2 » . وفي رواية سهل بن سعد مرفوعا : « من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيرا وليتعلمه كان كمثل المجاهد في سبيل اللّه يرجع غانما » « 3 » ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي وعن إعطاء المال الذي فرض إخراجه للمستحقين . قال ابن عباس : إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) أي يخافون يوما تتقلب في ذلك اليوم القلوب بين طمع في النجاة وخوف من الهلاك وتتقلب الأبصار من أي ناحية يؤمر بهم أمن ناحية اليمين ، أم من ناحية الشمال ؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال ؟ أي فإنهم وإن بالغوا في ذكر اللّه تعالى والطاعات خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا اللّه حق عبادته ، ف « يخافون » ، صفة ثانية ل « رجال » أو حال من مفعول « لا تلهيهم » و « يوما » مفعول به و « تتقلب » صفة له لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي أحسن جزاء أعمالهم بحسب وعده لهم من أن حسنة واحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وقوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ متعلق بمحذوف ، أي أيفعلون هذه القربات ليجزيهم اللّه ف « اللام » لام العاقبة والصيرورة وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما لم يستحقوه بأعمالهم وما لم يخطر ببالهم وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) أي فاللّه يعطيهم غير جزاء أعمالهم مما لا يفي به الحساب ، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على أن مناط الرزق محض مشيئته تعالى ، وللإعلام بأنهم ممن شاء اللّه تعالى أن يرزقهم كما أنهم ممن شاء اللّه تعالى أن يهديهم لنوره ، فإن جميع ما ذكر من أعمالهم الحسنة مقتبس من القرآن الذي هو المراد بالنور ، وبذلك يتم أحوال من اهتدى بهداه على أوضح وجه . وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ أي من أنواع البر كصدقة وعتق ووقف ونحو ذلك من كل ما لا يتوقف على نية ، كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ أي في أرض منبسطة . والسراب : ما يتراءى في

--> ( 1 ) رواه أحمد في ( م 2 / ص 509 ) بما معناه . ( 2 ) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 10 : 24 ) بما معناه . ( 3 ) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 8 : 31 ) ، والطبراني في المعجم الكبير ( 10 : 241 ) .